‏خطاب آية الله العظمي المنتظري بمناسبة الإعتداء المكرر على مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام)

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏ 

 
‏(في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال، رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله ...) ‏ 
‏ببالغ الأسى و الأسف بعد 16 شهراً من الفاجعة التي أدت إلى تدمير القبة و الحرم الشريف في سامراء، تجرأ المجرمون اليوم مرة أخرى بالتعرض لحرم العسكريين (عليهما السلام) و تخريبه بصورة أخرى.‏ 
‏و إضافة إلى الشيعة فإن أهل السنة أيضا أعلنوا إستنكارهم و إنزعاجهم لهذه الجريمة، لأنهم أيضا يرون ضرورة حفظ حرمة أئمة الشيعة. و بناءاً على حديث "الثقلين" المتواتر بين الشيعة و السنة لقد أرجع النبي (صلى ‏ ‏الله عليه و آله و سلم) الناس من بعده إلى كتاب الله و عترته. من باب المثال جاء في صحيح مسلم (‏1873/4‏): "إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله ... ثم قال: و أهل بيتي". و نقل في سنن الترمذي (‏328/5‏) : " إني ‏ ‏تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ... كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي"، إن النبي قد جعل أهل بيته في عرض القرآن و كما أن التمسك بكتاب الله يعتبر تنفيذا لأوامر الله، فإن التمسك ‏ ‏بعترة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أيضا يعتبر تنفيذاً لأوامرهم و كل ما يقولونه إنما نزل من عند الله بواسطتهم. ورد في حديث معتبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) : "حديثي حديث أبي و حديث أبي حديث جدي ‏ ‏و حديث جدي حديث الحسين ... و حديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله و حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قول الله". (الوسائل ‏18/58‏). إن ما كان يقوله الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لم يقولوه من عندهم بل ‏ ‏إنما هي أقوال رسول الله.
‏كان المرحوم آية الله العظمى البروجردي يقول: على سبيل الفرض إذا كنا نغض النظر عن الإمامة فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنسبة إلى الأحكام الإسلامية إضافة إلى كتاب الله أرجعنا إلى عترته، ‏ ‏العترة الذين يعترف بعلمهم و عظمتهم و جلالهم حتى قتلتهم و خلفاء الجور حيث استشهد الأئمة بكل طريقة بيدهم. ولكن مع هذا فإن هذه هي سيرة أهل الدنيا و عبدة الدنيا الذين يرتكبون كل عمل من أجل الحفاظ على دنياهم.‏ 
‏إنني قبل 16 شهراً أرسلت رسالة إلى الشيعة و خاصة علماء النجف و الأماكن الأخرى قلت فيها أن إهمال و ترك سامراء ليس أمراً صحيحاً و يجب من خلال برمجة مخططة أن يذهب كل يوم و كل ليلة عدد من الناس من مختلف المدن ‏ ‏على شكل قوافل و رحلات زيارية منظمة و بنفقة الناس أنفسهم لزيارة حرم العسكريين و الكاظمين (عليهم السلام) مع حراسة القوى الأمنية العراقية و ليحضروا في هذه الأماكن المقدسة و لا يسمحوا أن تبقى غريبة. لقد ورد ‏ ‏في الأخبار أنه لم يُقتل حتى شخص واحد في الحادثة الأخيرة، هذا يدل على أنه لم يحضر حتى زائر واحد هناك. أن يُقال أن هنالك لا يوجد أمان صحيح، ولكن في النجف و كربلاء أيضا توجد تفجيرات، مع ترك وإهمال هذه الأماكن ‏ ‏المقدسة بالقطع لا يتحسن الوضع.‏ 
‏أتذكر أن المرحوم آية الله السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) كان مواظبا على أن يرسل في ليالي الجمعة أعداداً إلى زيارة سامراء.‏
‏إن تركنا نحن تلك المنطقة بحالها فهو ذنب عظيم و للأسف نحن مقصرون في هذا الأمر، و يجب أن لا تكون تلك المنطقة من الناحية الطائفية ذات صبغة واحدة.‏
رحم الله المرحوم آية الله الحججي من العلماء المهذبين في نجف آباد إذ كان يقول: مع أنني أعتبر السيد الحاج ميرزا حسن الشيرازي رجلا عظيماً و أقرُّ بعظتمه ولكنني أرى فيه إشكالية واحدة و هو بما أنه كان في ‏ ‏سامراء لماذا لم يُوسِّع المنطقة التي كان يسكنها الشيعة و اكتفى فقط ببناء مدرسة واحدة. كانت في سامراء أراضي كثيرة من الشط و حتى برج المتوكل. و كان ينبغي أن يتم إسكان عشائر الشيعة من جنوب العراق فيها و أن ‏ ‏لا يكون الأمر بشكل تكون مدينة سامراء كلها ذات طابع واحد. لو كانت تنجز هذه الأعمال لما كنا نرى اليوم غربة و عزلة قبور الأئمة (عليهم السلام).‏
‏هذه الفجائع قام بها جماعة بإسم الإسلام و هم ليس لهم مكانة بين المسلمين. في تلك الأيام التي لم يكن التردد إلى بيتنا محرَّماً و لم تعتبر جريمة ! قال لي السيد الدكتور ولايتي وزير الخارجية آنئذ: "الملك فهد ‏ ‏بنفسه قال لي هل تظن أننا وهابيون، في حين أننا لسنا كذلك، نحن أيضا نعارضهم ولكن ما نصنع، إننا مضطرون لأننا نخاف من بعض المشايخ الوهابيين".
 ‏النقطة التي لابد أن أذكرها هنا هو أنه خلال حوالي الـ 16 سنة الماضية أحد علماء الجزيرة العربية (السعودية) بإسم عبدالله بن جبرين - وهو من أعضاء هيئة الإستفتاء عندهم (سابقا)- سُئل هل يجوز شراء لحم من قصاب ‏ ‏شيعي؟‏ ‏و قد ردَّ في الجواب: لا يجوز، لأن الشيعة مشركون و مرتدون و ذبيحتهم محرَّمة. هذه الفتوى صدرت في حين أن أكثرية أهل السنة يحلِّون ذبيحة أهل الكتاب.‏ 
‏إنني في ذلك اليوم كتبت في نقد هذا الفتوى رسالة مفتوحة إلى إخوتنا الشيعة في منطقة الحجاز و ترجمتها موجودة في كتاب مذكراتي. في الآونة الأخيرة أيضا 38 شخص من علماء الوهابيين و من بينهم هذا الشخص أصدروا ‏ ‏فتوى بتخريب قبور أئمة الشيعة و هو قال إن تخريب سامراء عمل جيد. أنا إضافة إلى نقد فتواه السابقة، انتقدت هذا الرأي أيضا و تلك الرسالة تحولت إلى كتيب من 80 صفحة. حينما راجعوا وزارة الإرشاد لأخذ رخصة الطباعة، ‏ ‏مضت ثلاثة أشهر منها و للآن لم تعط وزارة الإرشاد رخصة لطبع كتاب في الدفاع عن عقائد الشيعة و النقد العلمي للمخالفين. نحن بأنفسنا نؤيد الوحدة بين المسلمين و بناءا على هذا الأساس نعتقد أن أشخاص مثل عبدالله ‏ ‏بن جبرين يخدش الوحدة و الإنسجام بين المسلمين. سؤالي لماذا وزارة الإرشاد تمنع طبع كتاب يؤيد الوحدة بين المسلمين؟ لماذا تمانع من طبع كتاب فيه نقد للذين يرون ضرورة تخريب قبور أئمة الشيعة؟ أنتم قد منعتم من ‏ ‏نشر كتاب ينتقد الذين يرون الشيعة مشركون و مرتدون و يجوِّزون تخريب قبور الأئمة! و هذا الكتاب موجود على موقعي.‏ ‏
إنني مرة أخرى و بإعتباري طالب من طلبة قم أعلن أن من الواجب على علماء النجف و كربلاء و سائر البلاد، و على المتصدين للأمور، و على الحكومة العراقية و الحكومة الإيرانية و سائر الدول الإسلامية، و على جميع ‏ ‏مسلمي العالم أن لا يسمحوا أن تبقى سامراء في الغربة و العزلة. يجب على الحكومة الإيرانية أن تطالب من الحكومة العراقية أن لا تتماهل في هذا الأمر.‏ ‏
طبعا إن العراق تحت الإحتلال، و المحتلون بناءاً على القوانين و المقررات الدولية على عاتقهم أن يضمنوا أمن العراق، ولكن على الحكومة العراقية أيضا أن لا تتخلى عن المسؤولية و لا تضع يداً على يد. و إضافة إلى ‏ ‏ذلك فإن جميع المسلمين عليهم تحمل المسؤولية في هذا الأمر. (و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، و أي تعظيم شعائر إلهية أعظم من إحياء قاعدة و مقام الإسلام و المسلمين.‏ 
‏طبعا هنا لابد من القول: إن الأمريكيين رغم أنهم فعلوا حسناً بإسقاط صدام، لكن العراق يتطلب حكومة مستقرة، إن الشعب العراقي لا يقبلكم. و بصالحكم أن لا تصرفوا المليارات من الدولارات للشعب الأمريكي في بلد ‏ ‏تقدموا الخسائر و النفوس فيها كما انكم للآن قدمتم أكثر من ثلاثة آلاف من الجنود. و في المقابل تنكسر هيبة أمريكا عند الشعوب و تسقط كرامتها.‏ 
‏أتذكر حينما كنت في مقتبل عمر الشباب حينما كان الناس ضجرين من الإستعمار البريطاني و الروسي كانوا ينظرون إلى أمريكا بإعتبارها المنقذة غافلين عن أن أمريكا هي بنفسها وريثة الإستعمار و تعمل أسوأ منهم. هل ‏ ‏أمريكا ترى نفسها قيمة على مناطق العالم؟ إن الرئيس الأمريكي مع الإعتراضات التي يتلقاها حتى من داخل أمريكا – الكونغرس (مجلس الشيوخ) مثلا- لكنه لا يكف عن اللجاجة و يواصل إحتلاله للعراق و أفغانستان و يهدد ‏ ‏إيران أيضا يومياً، من أنتم لتعتبروا أنفسكم قيمين على العالم؟! إن عالمنا اليوم لا يتلاءم مع الإجبار و التهديد.‏ ‏
إنني أعزيكم مرة أخرى بهذه الفاجعة المؤسفة أيها الإخوة و الأخوات و جميع المسلمين و الشعوب المطالبة بالعدالة و خاصة خدمة حضرة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، و أسأل الله أن يصلح و ينبِّه مرتكبي هذه ‏ ‏الجريمة و إن لم يصلحوا و يتنبَّهوا أن يستأصلهم و يقطع جذورهم،إن شاء الله.‏ ‏
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.‏ ‏‏