بعد الحمد و الشكر لله تعالى، و بعد السلام و مع فائق إحتراماتي إلى الحضار المحترمين و الذين عقدوا المؤتمر الصحفي لـ"حق السلام"، لقد طُلب مني أن أطرح أمور حول السلام و التعايش السلمي حسب رؤية الإسلام.
لقد تحدّث القرآن الكريم و هو الكتاب المقدس و السماوي مراراً عن السلام و تطرَّق إلى هذا الأمر الهام في أبعاده المختلفة، و ذلك من أصغر بنية إجتماعية أي الأسرة و حتى التعايش في المجتمع الواحد و حتى بين مختلف
الشعوب و الأمم.
إن الله تعالى و في سورة الأنبياء الآية 107، قد وصف نبي الإسلام بـرسول الرحمة للعالمين جميعا؛ "و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
إن الهدف الرئيسي من السلام في الإسلام هو صنع الهدوء و إزاحة العداوة و الصراع و إختيار عيش سلمي في الحياة الإجتماعية و صنع أجواء معنوية، و هذا سيحصل في حالة إن لم يكن أحداَ يريد أو حتى إذا أراد لا يستطيع
أن يتسلط على الآخرين، و يلتزم بالمقررات الإجتماعية و يراعي الحقوق الإجتماعية لسائر الناس.
و في أهمية السلام في المجتمع الإيماني يقول: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم". (سورة الحجرات، الآية 10).
و في مكان آخر و بصورة أخرى يقول: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة و لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين". (سورة البقرة، الآية 208).
من جهة أخرى فإن الإسلام قد أعطى أهمية إلى التضامن في بنية الأسرة و قدم حلول لإستقامتها و في حال حدوث مشكلة ما فإنه يدعو إلى الصلح و السلام و يشير إليه كأصل عام. "و الصلح خير". (سورة النساء، الآية 128).
و هذه العبارة تدل على أن السلام و الهدوء يعتبر أصلاً أساسياً ليس في الأسرة فحسب بل حتى في الإجتماع و البلد و في النظام الدولي.
إن هذا التعايش السلمي و الإمتناع عن الإحتقان يشمل أتباع جميع الأديان بل جميع الناس. و حول هذا يخاطب النبي و المسلمين و يقول: "و إن جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله". (سورة الأنفال، الآية 61).
إن هذا الأمر يتبين بوضوح تام في مجال التعايش بين أتباع الأديان حيث يقول: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين". ( سورة الممتحنة،
الآية 8).
و بناءاً على هذا الأساس ورد في رواية معتبرة عن الإمام الصادق (عليه السلام): "و افش السلام في العالم".
و حسب رؤية الإسلام يجب أن تكون جميع أقوال و أعمال المسلمين و خاصة الحاكمين على البلاد، يجب أن تكون بصورة لا تؤدي أصداءها إلى العنف و الحرب و لا تعطي الذريعة إلى منتهجي الحرب. و من جهة أخرى فقد أكد على
مبدأ التعايش السلمي أي الإعتراف أفراد المجتمع ببعضهم البعض و الإحترام المتقابل و قبول الرأي الآخر و وجود الإختلافات بين الناس.
لقد أكد الإمام علي (عليه السلام) في رسالته إلى مالك الأشتر على القوائم المشتركة بين الناس و قال: الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق؛ فأشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبة لهم و اللطف بهم و
لا تكونن عليهم سبعا ضاريا.
حينما نرى بعض الأقوال تصوِّر دين الرحمة الإلهية بصورة لا تتداعى منها غير الحرب و العنف، فإن ذلك قطعاً معارض لأهداف الدين و غير متلاءم مع تعاليم القرآن الكريم، و كل عمل يؤدي إلى إفشال التعايش السلمي يعتبر
معارضاً للعقل و الشرع، و ما لم يقم أحد بالمنزاعة و العِراك فلا ينبغي للمسلمين أن يشيعوا أجواء النزاع و العِراك.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): لو أن جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل (من المشركين) فقال: أعطوني الأمان فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم (أي قادة جيش المسلمين) الوفاء به. "وسائل
الشيعة، ج 15، ص 67".
و في الختام أشكر جميع القائمين على هذا التجمّع و أسأل الله تعالى السلام العالمي و إنزواء مثيري الحروب، و الموفقية لإشاعة مبدأ التعايش بين جميع الناس.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.