‏بيان سماحة آية الله العظمى المنتظرى حول هجوم امريكا و انگلترا على العراق ‏
 
‏بسم الله الرحمن الرحيم ‏
‏انا لله و انا اليه راجعون ‏
‏لقد بدأت شعوب الشرق الاوسط العام الهجرى الجديد القمرى و الشمسى مع اول حرب فى الالف الميلادية‏ ‏الثالثة . ان الهجوم الانكلو امريكى و اذنابهما على الشعب المسلم فى العراق حرب ظالمة و على الخلاف من كل‏ ‏معايير الحقوق العالمية . ان هذه الحرب المدمرة والوحشية ستترك آثارا عميقة فى العالم الاسلامى و العربى و‏ ‏بلادنا ايران .
‏ ‏و أنا اذ اعلن عن اسفى الشديد من هذه الحرب غير المتكافئة ، الفت انتباه الاخوة المسلمين و الاخوات‏ ‏المسلمات و كذلك كل طلاب الحق و العدل و الحرية الى النقاط التالية :
‏ ‏1 - ان صدام حسين رئيس الجمهورية العراقية (مادام العمر!) من اخطر و اقدم الديكتاتوريين المعاصرين ; انه‏ ‏قد تسلط على العراق بالقوة و الارهاب و خنق انفاس الناس منذ ربع قرن تقريبا و قد اعدم فى هذا المجال كثيرا‏ ‏من ناقديه القانونيين ، و طلاب الحق و الحرية و كثيرا من العلماء و نخبة المجتمع العراقى ، و هو بالاضافة الى‏ ‏ما استباح من الظلم والجور على شعب العراق ، لم يترك مجاورى بلاده دون ان انالهم نصيبهم من عدوانه ، فهو فى‏ ‏الشهور الاوائل من استقرار الجمهورية الاسلامية فى ايران ، و التى كانت نتيجة ثورة شعبية مئة بالمئة ضد الاستبداد‏ ‏الداخلى والسلطة الاجنبية ، بهجومه على جنوب ايران و غربها حمل الشعب الايرانى حربا لثمانى سنين ، و ذلك‏ ‏بمساعدة دول اخرى و منها امريكا و بريطانيا.
‏ ‏ان اسم صدام فى ايران و العراق يذكر بمعانى الخيانة و القساوة والوحشية ، ففى هذه الحرب ولاول مرة‏ ‏استخدمت القنابل الكيمياوية على المقاتلين الايرانيين و حتى المواطنين العراقيين العزل و لم تكن صرخات‏ ‏الاستغاثه من ايران حكومة و شعبا و لا من المظلومين العراقيين لتجدآ ذانا صاغية .
‏ ‏ان صداما مرة اخرى بهجومه على جارته الاخرى الكويت فسح المجال لحضور امريكا فى المنطقة فهو‏ ‏لا شرعية له و لا كرامة ; انه بسبب ظلاماته و جرائمه التى ارتكبها بالنسبة الى شعب العراق و مجاوريه لا يمكن‏ ‏الدفاع عنه بل لا صلاحية له للرئاسة على بلاد عريقة مسلمة كالعراق .
‏ ‏ان النظام البعثى العراقى لم يكن ابدا اختيار اكثرية المجتمع المسلم فى العراق ، و ان المجازر العامة و تدمير‏ ‏مدن ايران و العراق و الكويت و سائر الجرائم جعلت صداما و حزب البعث معه فى الرأى العام العالمى و حتى‏ ‏لدى شعب العراق مجرمين حربيين .
‏ ‏2 - ان أية دولة تنقض الحقوق الانسانية لمواطنيها و تسحق القوانين الدولية المقررة بحكم العقل و المنطق ،‏ ‏فعلى المجتمع العالمى و المحافل العالمية و لا سيما منظمة الامم المتحدة ان تحاكم ذلك النظام المعتدى‏ ‏فى محكمة صالحة وفق الطرق المقررة فى القوانين العالمية ، فاذا حكم عليه تقوم بعقوبته و اذا صدرت ادانة رئيس‏ ‏نظام ما من محكمة صالحة عالمية حينذاك يصبح العمل العسكرى بقيادة الامم المتحدة عملا مقبولا كحل نهايى‏ ‏للمشكلة ، و ان اى عمل عسكرى خارج هذا الاطار القانونى المذكور غير مقبول و انما هو اشاعة للفوضى و للقوة‏ ‏الطاغية .
‏ ‏و ان هجوم امريكا و بريطانيا على العراق لم يمر عبر هذه الطرق الحقوقية المقررة و انما بدءا حربهم‏ ‏اللااخلاقيه و غير القانونية على الشعب العراقى بالالتواء وراء الامم المتحدة و مع سحق الحقوق العالمية .
‏ ‏3 - ان حجج امريكا و بريطانيا للهجوم على العراق لا هى شرعية و لا قانونية فانها:
‏ ‏اولا - ان كان امتلاك اسلحة الدمار الشامل جرما فهما اول المجرمين فى هذا الميدان و لم ينس الناس فاجعة‏ ‏هيروشيما و ناكازاكى ، هذا بالاضافة الى ان اول دولة مسلحة بمثل هذه الاسلحة المهولة فى الشرق الاوسط هى‏ ‏دولة اسرائيل الغاصبة و غير المشروعة والتى تسلحت بها باشراف امريكا و بريطانيا وها هى بكامل حريتها مولعة‏ ‏بالمجازر العامة للمظلومين الفلسطينيين ; فما هو وجه الفرق بين صدام العراقى و شارون الاسرائيلى بحيث ان‏ ‏احدهما يجب ان تنتزع منه و الثانى يتسلح بها اكثر فاكثر يوما بعد آخر.
‏ ‏ثانيا - اذا كانت اللاديموقراطية و اللاشعبية لنظام صدام جرما، فاية دولة من الدول الموالية لامريكا و بريطانيا‏ ‏فى الشرق الاوسط هى دولة ديموقراطية شعبية مئة بالمئة؟! و بكامل الحرية لشعبها؟!
‏ ‏على انه كيف يمكن ان تقرر الديموقراطية و حقوق الانسان فى مجتمع ما بالحرب والقوة العسكرية و سحق‏ ‏الاخلاق و القانون ؟! و انما تولد الديموقراطية و حكم الشعب بصورة طبيعية و تدريجية و هى بحاجة الى اسس‏ ‏ثابته و موطدة .
‏ ‏و ثالثا - ان جرائم صدام و الصداميين لن تبرر ابدا ضرب مختلف المدن العراقية بالصواريخ و القنابل و قتل‏ ‏غير العسكريين الابرياء بلاهوادة ، ان تحميل كل هذه الخسائر البشرية والمالية على العراق المسلمة مما لا يمكن‏ ‏توجيهه منطقيا و عقليا.
‏ ‏4 - ان حرب امريكا و بريطانيا و اذنابهما على العراق ليست حرب حق على الباطل و حتى ليست من دفع‏ ‏الافسد بالفاسد بل هى حرب ظالم و ظالم و فاسد و فاسد، و عليه فاى مواكبة مع امريكا و بريطانيا فى هذا الهجوم‏ ‏حرام و من معاونة الظالم الجائر; و ان الدول التى جعلت اراضيها تحت تصرف امريكا و اصبحت كقاعدة عسكرية‏ ‏لامريكا على العراق من قبيل الكويت او التى سمحت باجوائها للمعتدين مثل تركية ارتكبت بذلك خبطا كبيرا و‏ ‏ساهمت فى قتل الابرياء العراقيين و ان الغيارى فى المنطقة لن ينسوا هذه الخدمة المتزلفة الى الاستكبار‏ ‏العالمى !
‏ ‏5 - ان مصير دولة العراق يجب ان يتقرر بيد الشعب العراقى و هذا هوالحق الطبيعى و المسلم للمواطنين‏ ‏العراقيين ان يقروا مصيرهم بشان الحكم المستقبل فى العراق و باشراف و مساعدة الامم المتحدة فيختاروا نظام‏ ‏الحكم المطلوب لهم عن طريق استفتاء شعبى بكامل حريتهم ; و ما شأن امريكا و بريطانيا ان يتخذوا القرار بشان‏ ‏الشعب العراقى من اقصى العالم ؟! لن يقبل بمثل هذا الذل اى مسلم شريف و لا اى عربى غيور و لا اى حر‏ ‏الضمير. و ان على الاخوة العراقيين و الاخوات العراقيات - مع استقامتهم و صبرهم - ان يحذروا من اى مساعدة‏ ‏لطرفى هذه الحرب الباطلة و انهم و ان كانوا يبراءون من صدام و النظام البعثى العراقى ولكنهم لن يرحبوا‏ ‏بالمعتدين الامريكيين و البريطانيين ابدا.
‏ ‏و على كل المسلمين والمحقين ان يحاولوا اطفاء نار هذه الحرب من اى طريق ممكن ، و على منظمة الموتمر‏ ‏الاسلامى ان تبادر الى شجب و استنكار هذا العدوان السافر على بلد مسلم و ان تدافع عن الحقوق الانسانية‏ ‏للمواطنين العراقيين .
‏ ‏ان شعوب العالم يتوقعون من الامم المتحدة و شخص الامين العام السيد " كوفى عنان " ان يوظفوا كل مساعيهم‏ ‏لانهاء هذه الحرب غير المتكافئة و للدفاع عن الحقوق المهدورة لشعب العراق ; و على مجلس الامن للامم‏ ‏المتحدة ان يبادر سريعا للعمل فى الحد من نطاق هذه الفاجعة الانسانية فى العراق .
‏ ‏6 - يبدو لنا من الاهداف الاصلية لامريكا و بريطانيا من هجومهم الاخير - خلف الدعايات المعلنة - هدفان‏ ‏اساسيان كما يلى :
‏ ‏الف - المحافظة على الغدة السرطانية اسرائيل و دعمها و تطويرها و هم الذين استحدثوها، ذلك انه بات من‏ ‏الممكن ان تستعمل الاسلحة العراقية فى المستقبل ضد اسرائيل ; و الصهيونية العالمية لم تكن لتتحمل هذا التهديد‏ ‏المحتمل .
‏ ‏ب - السيطرة الاكثر على النفط فى الشرق الاوسط و منها المنابع العراقية الغنية والاستراتيجية ; ان عالم‏ ‏الرأسمالية تفكر قبل كل شى فى نهب المنابع الثرية و الادمغة النابغة لدول العالم الثالث ! و ان هذا الذهب الاسود‏ ‏لازال يلمع للعيون الطامعة لناهبى ثروات العالم .
‏ ‏7 - هذه هى المرة الثانية فى هذه الاعوام العشرة الاخيرة يقع النظام العراقى فيها هدفا و فريسة للهجوم‏ ‏الامريكى المباشر هذا و قد سقط نظام الطالبان فى افغانستان خلال العامين الماضيين ضمن حرب غير متكافئة من‏ ‏امريكا نفسها; فتجربة طالبان فى افغانستان و صدام فى العراق تثبت ان ليست مضادة امريكا و الهتافات ضدها و‏ ‏حتى محاربتها لوحدها دليلا على الشرعية ابدا.
‏ ‏8 - و لا يفوتنا هنا ان نلفت الانظار الى اننا لا نفكر فى محاربة الشعب الامريكى الكبير و لا حكومتهم و انما‏ ‏نهدف الى الدفاع عن حقوق المظلومين ، و انما نعترض على العدوان و الطغيان لدولة امريكا و التى تدار عمليا‏ ‏تحت نفوذ الصهيونية فى تلك البلاد، فهى تضحى بشباب امريكا و ثرواتها الوافرة لمقاصدها العدوانية و‏ ‏اللامشروعة فهى بشكل عام تشطب بخط البطلان على وجاهة امريكا فى العالم و تسمها بسمة السلطة الطاغية !‏ ‏و لهذا فعلى الشعب الامريكى الكبير ان يقوموا فى سبيل اطفاء نيران هذه الحرب المدمرة و المحرقة اكثر من سائر‏ ‏شعوب العالم .
‏ ‏9 - ان سلامة اية حكومة و شرعيتها - و قبل ان تصل لتدوين سياستها الخارجية المستقلة - بحاجة لرعاية هذه‏ ‏الشروط الثلاثة التالية فى سياستها الداخلية :
‏ ‏الف - ان تكون بصدد الحصول على رضا مواطنيها، باعتنائها بنظر الاكثرية والرأى العام فى سياستها العامة و فى‏ ‏انتقاء منفذيها و موظفيها الاصليين فى النظام من قبل اكثرية الشعب فان الحكومة التى لا تنال رضا مجتمعها لا‏ ‏شرعية لها و لا استقرار.
‏ ‏و بالقوة لا يدعم الدين و لا الحكم ; و حتى حكومة رسول الله (ص ) و اميرالمومنين (ع ) انما استقرت ببيعة‏ ‏الناس و رضاهم بها.
‏ ‏ب - عليها ان تتجه باتجاه العدالة و بسط القسط فى ادارة دفة امور البلاد و ان تحذر من اى نوع من الظلم و‏ ‏العدوان على حقوق المواطنين و ان توصد السبل امام اية سيرة جائرة منحازة .
‏ ‏ج - و ان تحاول الادارة المنطقية باستعمال التدبير و العقلانية و العلوم و الصناعات فى ادارة شئون المجتمع ;‏ ‏و كيف يمكننا فى عالمنا هذا المتطور اليوم ان نرسم سياساتنا العامة العلمية والفكرية و الثقافية و الاقتصادية‏ ‏لسياسة المجتمع من دون مساهمة مستمرة من قبل الاخصائيين و النخبة فى البلاد؟!
‏ ‏10 - و فى هذا الظرف الخطير مرة اخرى اذكر قادة الجمهورية الاسلامية فى ايران و اولياء الامور ان يتعلموا‏ ‏درسا من هذه التجربة المرة لديكتار العراق و ان يبادروا قبل فوات الاوان للاصغاء الى صرخات شعب ايران‏ ‏بالمطالبة بالحرية و العدالة و ان يكفوا ايديهم عن مصادرة الامور كلها و أن يخضعوا و يذعنوا للمطالبات الحقة‏ ‏لهذا الشعب الرشيد; الا و هى العدالة و الشعبية الواقعية و التدبير و العقلانية فى اتخاذ القرارات و ليطمئنوا الى انهم‏ ‏سوف لا يستطيعون المقاومة امام عدوان امريكى محتمل مع الاستبداد السياسى الدينى و عدم الاصغاء للانتقادات‏ ‏و بالتكثير من الاعتقالات والمحاكمات السياسية القائمة و بسوء التدبير فى ادارة دفة البلاد، مهما كان ذلك مع‏ ‏تكثير الهتافات ضد امريكا و الصهيونية .
‏ ‏أن يكون عدد معدود محدود من الافراد يزعمون انفسهم انهم لب الدين و الاسلام و انهم عقول كلية فيسلبون‏ ‏باعمالهم و حركاتهم الزاعمة القيمومة على الامة حقوقها و حرياتها المشروعة - هذا و هم اصحاب الحكم‏ ‏بالاصالة - و حتى على المنتخبين من قبل الشعب لتمثيلهم (فى مجلس الشورى الاسلامى ) بحجج واهية ، ان هذا‏ ‏مما لاينسجم و لايتلام مع اى عقل او شرع و هو على النقيض من المواعيد التى وعد بها الناس فى بداية‏ ‏الثورة الاسلامية ، و حيث ان هذه الحركات انما يعمل بها باسم الاسلام والدين فهم بذلك يشكلون نظرة سلبية‏ ‏قاتمة فى جيل الشباب بالنسبة الى الاسلام و الموازين الاسلامية .
‏ ‏و مع الاسف انه بسوء سلوك المتصدين للامور بلغ الحال بكثير من الناس انهم مع علمهم بجرائم و عدوان‏ ‏الامريكان ياملونهم ، و كانهم فى غفلة من ان السيل اذا جاء فانه يذهب بالكل !
‏ ‏اللهم الهم الشعب العراقى المظلوم الصبر و الظفر، و اطعم الجائرين و المعتدين الذلة و الهزيمة ، و الهم القادة‏ ‏و المسئولين فى البلاد الاسلامية العدالة و الانصاف .
‏ ‏والسلام على جميع الاخوة و الاخوات و رحمة الله و بركاته .
‏25 محرم الحرام 1424 ه ‏
‏قم المقدسة - حسينعلى المنتظرى ‏
 

‏‏