‏رسالة آية الله العظمى المنتظرى الى المراجع و العلماء و الحوزات العلمية ‏
 
 
‏اثر الانتهاكات الاخيرة التى حصلت فى ايران عقيب الاعلان عن النتائج‏ ‏الانتخابات الرئاسية ، اصدر سماحة المرجع الاعلى آية الله العظمى‏ ‏المنتظرى بيانا خاطب فيه المراجع العظام و العلماء الاعلام و الحوزات‏ ‏العلمية ، فيما يلى نصه :
‏ ‏
‏بسم الله الرحمن الرحيم ‏
 
‏عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم ) :‏
‏" اذا ظهرت البدع فى امتى فليظهر العالم علمه "‏
‏(الكافى ، ج 1، ص 54)‏
 
‏الى حضرات المراجع العظام و العلماء الاعلام فى كل من قم و النجف و‏ ‏مشهد المقدسة و طهران و اصفهان و تبريز و شيراز و سائر البلاد الاسلامية‏ ‏دامت بركاتهم .
‏ ‏بعد السلام و التحية ، اننى و بالالتفات الى الظروف الحالية فى البلاد و المظالم‏ ‏التى نراها كل يوم و الاعمال المنافية التى تحصل باسم الدين و مذهب‏ ‏التشيع ، ارى من واجبى ان اذكر بعض الامور من باب طلب الخير و الشعور‏ ‏بالخطر الجاد الذى يهدد مصالح الدين و البلد، و كذلك من باب (و ذكر فان‏ ‏الذكرى تنفع المومنين ):

‏ ‏1 - كلنا يعرف ان ثورتنا كانت دينية و ذات قيم و لم يكن هدفها الرئيسى مع‏ ‏تحملها لتلك المصائب و المشقات و النفى و الحبس و التعذيب هو تغيير‏ ‏الاشخاص فى نظام الحكم و التغيير الشكلى فى بعض الامور الجزئية ; و انما‏ ‏كان المقصود ان تاتى حكومة تلتزم فى جميع ابعادها بالعقائد و الاخلاق و‏ ‏احكام الشرع المبين ، و ان تكون مومنة و عاملة بها; و فى ضوء ذلك تحقق‏ ‏الايمان و مكارم الاخلاق و العدالة و الحرية من الاستبداد و الخفقان ، و تومن‏ ‏حقوق جميع شرائح المجتمع ، و تقلع جذور الظلم و الاعتداء، ليشعر شعبنا‏ ‏بالسعادة و الراحة ، و ليكون مرفوع الراس و قدوة لسائر الشعوب فى تحقق‏ ‏العدالة و العزة و الكرامة و القيم الانسانية .
‏ ‏فلم يكن الهدف هو تغيير الاسم و الرسم و الشعارات و فى العمل لا تزال‏ ‏تلك المظالم و الانحرافات باقية كما كانت قائمة فى النظام السابق لتمارس‏ ‏هذه المرة بشكل آخر و تحت عنوان الحكومة الدينية و ولاية الفقيه .
‏ ‏اننى اذ يعلم الجميع بانى كنت من اشد المدافعين عن الحكومة الدينية و من‏ ‏موسسى ولاية الفقيه - طبعا ليس بالشكل الحالى و المرسوم ، و انما بصورة‏ ‏ينتخبه الناس و يشرفون على اعماله - ، و قد سعيت كثيرا فى سبيل تحققه‏ ‏فى بعديه العلمى و العملى ، اشعر بالخجل امام الشعب الايرانى الفهيم الذى ‏ ‏يتعرض للظلم بهذا الاسم و العنوان ، و ارى نفسى مسوولا امام الله تعالى و‏ ‏معرضا للعتاب امام الدماء المراقة لشهدائنا الاعزاء، و الاعتداءات على‏ ‏حقوق الابرياء من الناس .
‏ ‏الكثير ممن لديه سوابق فى الثورة يسالنى من خلال ارسال الرسائل او‏ ‏الحضور الشخصى : هل الحكومة الدينية التى كنت توعد الناس بها، و كنت‏ ‏ترى ان ولاية الفقيه هى المنفذة لها و كنت تريد اقامتها هل هى هذه التى نراها‏ ‏اليوم ؟ فى حين ان ما نراه اليوم هى فى الحقيقة حكومة ولاية العسكر لا ولاية‏ ‏الفقيه .

‏ ‏2 - ان حضرات المراجع و العلماء الاعلام يعلمون جيدا انهم دائما طوال‏ ‏التاريخ كانوا الملجا و الماوى للناس امام اعتداءات و مظالم الحكومات ، و‏ ‏كان لهم هذا الفخر ان يقفوا امام الحكومات الجائرة مع الناس مدافعين عن‏ ‏الشريعة و حقوق الشرائح المظلومة ، و تحملوا الاضرار و الحرمان . جزاهم‏ ‏الله عن الاسلام خير الجزاء.
‏ ‏طبعا و بعد انتصار الثورة ، للاسف تعرضت هذه السابقة اللامعة الى تبديل و‏ ‏خطر جاد، و ذلك بسبب الاعمال المنافية التى كانت تحصل فى الحكومة قد‏ ‏لا يكون للعلماء دخل فيها الا انه و بسبب التقصير فى النهى عن المنكر حصل‏ ‏ذلك ، و مع الابتعاد عن الاخلاق ، و احيانا و عمليا من خلال طرح "ان الغاية‏ ‏تبرر الوسيلة "، بدات الانحرافات فى مسيرة الثورة و ابتعدت عن اهدافها‏ ‏الاولية ، و اصبح هذا الخطر جادا الى ان وصل الى ما وصل اليه اليوم حيث و‏ ‏للاسف لابد ان نقول ان القاعدة المعنوية و الشعبية لرجال الدين و العلماء و‏ ‏المرجعية ، و بتبعها الاسلام و المذهب الذى كان بشكل تقليدى متكا على‏ ‏العلماء و رجال الدين - مما ادى بالاسلام و العلماء ان يكونا ممزوجى ‏ ‏البعض ، و كان يروج عن طريقهم - قد تعرض لضربة كبيرة لا يعرف متى و‏ ‏كيف سيكون قابلا للتعويض !
‏ ‏ان امتزاج المذهب و العلماء و خبراء الدين الذى يعتبر امرا مقبولا و معقولا و‏ ‏مويدا من قبل الشعب المسلم قد ادى الى ان يتعرض الاسلام و المذهب‏ ‏لكل ضرر قد يتعرضه العلماء و رجال الدين .
‏ ‏و فى هذه الحالة فان مسوولية المراجع العظام و علماء الشيعة سيكون‏ ‏مضاعفا ; ذلك لانه اضافة الى واجباتهام العامة التى تستلزم خبرتهم و توجب‏ ‏مراجعة الناس اليهم ، فان واجب الدفاع عن حيثية و اعتبار المذهب و تطهير‏ ‏حجره من الاعمال المنافية التى تمارسه السلطة باسم المذهب سيكون على‏ ‏عاتقهم ايضا; ذلك لان الاعمال المنافية للشرع و هى فى نفس الوقت تنافى ‏ ‏الاهداف الاولى للثورة ، هى من المصاديق البارزة للبدعة . فالبدعة ليست‏ ‏منحصرة فى تشريع و ادخال حكم غير دينى فى الدين ، و انما يشمل ايضا كل‏ ‏عمل منافى للشرع يتم باسم الشرع و المذهب .
‏ ‏و نحن نقرا فى الاية 71 من سورة التوبة : "و المومنون و المومنات بعضهم‏ ‏اولياء بعض ، يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر"، فان بمقتضى جمع‏ ‏الالف و اللام للاستغراق ، تعطى الولاية لجميع المومنين و المومنات فى حد‏ ‏الامر بالمعروف و النهى عن المنكر بالنسبة لبعضهم البعض ; من هنا فان هذه‏ ‏الولاية بالاولى هى للعلماء الاعلام ان لا يكونوا صامتين . و فى وصية مولانا‏ ‏اميرالمومنين (عليه السلام ) نقرا: "لا تتركوا الامر بالمعروف و النهى عن‏ ‏المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (نهج البلاغة ،‏ ‏الكتاب 47).

‏ ‏3 - و من خلال الالتفات الى ما سبق فانى اذكر: ان الاحداث و الفجائع التى ‏ ‏حصلت فى الاشهر الاخيرة بعد الانتخابات الرئاسية فى البلد و امام مراى و‏ ‏مسمع حضرات المراجع و العلماء المحترمين هى بمثابة جرس انذار لرجال‏ ‏الدين و المرجعية . لقد حصلت فى هذه الاحداث من انتهاكات الحقوق و‏ ‏المظالم و المخالفات الكثيرة باسم الدين و بتاييد عدد ضئيل من رجال الدين‏ ‏من داخل السلطة و المنتسبين اليها، و تبعا لذلك قامت شرائح كبيرة من‏ ‏الشعب باعتراضها و ذلك بنأا على حقها الشرعى و القانونى وفقا على‏ ‏المادة 27 من الدستور، و من خلال اختياره لاكثر السبل سلميا ابلغوا‏ ‏اعتراضهم للسلطة ، ولكن الحكومة بدل ان تلبى نداء مطالباتهم المحقة‏ ‏بجواب معقول و ايجابى و بدل ان تعيد حقوقهم المضيعة ، اطلقوا على تلك‏ ‏الجماهير الميليونية عنوان المتمردين و الغوغائيين و العملاء للاجانب ، و‏ ‏قامت بقمع و ضرب و شتم الرجال و النساء العزل بابشع صورة و بعنف تام ، و‏ ‏اعتقلت الكثير منهم ، و استشهد عدد منهم فى الشوارع و عدد آخر فى ‏ ‏سجونها الرهيبة .
‏ ‏و العجب ان السلطة من خلال اتكائها على الشرطة و قوى العسكر و‏ ‏المواجهة بالسلاح قامت بقتل و اعتقال اناس عزل و بلا ماوى ، ولكنها فى ‏ ‏نهاية المطاف توصم الناس بالمحاربين . ان السلطة هى من افتعلت الازمة و‏ ‏عرضت النظام للخطر ولكن الناس و موسسى النظام يوصمون بالغوغائيين و‏ ‏المعارضين .
‏ ‏و تزامنا مع القمع ضد الشعب ، قاموا باعتقال عدد من النشطاء السياسيين و‏ ‏نخب البلاد و الذين كان لكل منهم خدمات قيمة طوال الاعوام الماضية فى ‏ ‏الجمهورية الاسلامية ، و من خلال سيناريوهات معدة و منافية للشرع و‏ ‏القانون ، قاموا بفبركة ملفات و اخذ الاقارير الكاذبة و من ثم تمثيلها فى ‏ ‏محاكمات ظاهرية غير شرعية و غير قانونية ، و بالتالى ادوا بالنظام القضائى ‏ ‏فى الاسلام ان يتعرض لسخرية العالم ; و بدل عقاب الامرين و مرتكبى تلك‏ ‏الجرائم ، اكتفوا باطلاق الوعود لعقابهم كما حصل سابقا عند وعدهم لمعاقبة‏ ‏مرتكبى و آمرى الاغتيالات السياسية المتسلسلة ، و اعتقلوا الخدومين من‏ ‏الاشخاص ، و ذلك للضغط على المرشحين المحترمين حجة الاسلام و‏ ‏المسلمين الحاج الشيخ مهدى الكروبى و السيد المهندس ميرحسين‏ ‏الموسوى - دام توفيقهما و حفظهما الله تعالى - ، و اغلقوا مكاتبهما و‏ ‏صحفهما و اعتقلوا زملائهما و معاونيهما المكرمين ، و قاموا بالافتراء على‏ ‏الاشخاص الخدومين و الصادقين من خلال وسائل الاعلام المرتبطة‏ ‏بالحكومة و حتى من منبر خطبة الجمعة المقدسة و لا يزالون يواصلون اطلاق‏ ‏الاكاذيب و الامور الواهية مما سيودى ذلك الى المزيد من تدمير عقائد‏ ‏الناس تجاه رجال الدين و المرجعية الشيعية و الاسلام العزيز.
‏ ‏و فى هذه الظروف فان شعبنا المسلم يتوقع بتوقعات من امثال حضرات‏ ‏المراجع و العلماء المحترمين و من هذا العبد الحقير، و بنأا على الواجب‏ ‏الذى القته الشريعة المقدسة على عاتق علماء الدين و كذلك المسوولية‏ ‏التقليدية و التاريخية للمرجعية و العلماء فان تلك التوقعات فى محلها.‏ ‏فالناس يتسائلون ان كانت تلك المظالم و الانتهاكات و البدع مخالفة للاسلام ،‏ ‏فلماذا نرى المراجع المحترمين و علماء الدين و هم حفاظ الدين و المذهب‏ ‏و حصون الاسلام و الشريعة و مدافعوا حقوق الناس و مبينوا احكام الشريعة‏ ‏التى منها الامر بالمعروف و النهى عن المنكر و اظهار المخالفة مع البدع و‏ ‏النواهى ، فلماذا لا يبدون اية مخالفة مع تلك البدع و الاعمال التى تتم باسم‏ ‏الدين و المذهب و لا يظهرون علمهم و لا يتبعون امر نبى الاسلام (صلى الله‏ ‏عليه و آله و سلم )؟ و هل تلك المظالم و الانتهاكات و الجرائم اقل بشاعة من‏ ‏سلب خلخال من امراة يهودية بواسطة رجال معاوية ليقول مولى المتقين‏ ‏الامام على (عليه السلام ) : " فلو ان امرءا مات من بعد هذا اسفا ما كان به‏ ‏ملوما " ؟! (نهج البلاغة ، الخطبة 27) . بالقطع و اليقين فان حضرات المراجع و‏ ‏العلماء المحترمين قد قاموا بابداء قلقهم و مخاوفهم تجاه المنكرات التى ‏ ‏تحصل باسم الدين و المذهب ، و البعض قد بادروا ببعض الامور، لكن من‏ ‏خلال الالتفات الى مفاد الحديث النبوى الشريف الذى يوجب اظهار العلم ،‏ ‏فهل يكفى هذا المقدار؟

‏ ‏4 - ان حضرات المراجع المحترمين يعرفون ما مدى تاثير قدرة و نفوذ‏ ‏كلامهم عند السلطة ، و يعلمون جيدا ان السلطة من اجل الحفاظ على‏ ‏شرعيتها تحتاجهم ، من هنا فانها و لو ظاهريا تعترف بهم و تروج لهم ، و‏ ‏يعلمون ايضا ان السلطة تستغل صمت الحضرات قبال الاعمال المنافية و‏ ‏تنتفع من هذا الصمت ، لذلك فانه ليس من اللائق ان يتخذوا الصمت عند‏ ‏الامور المهمة التى تصدم و حيثية و اعتبار و وجاهة الدين و المذهب و تامين‏ ‏حقوق شرائح واسعة من الشعب و كذلك حفظ التدين و الاعتقادات الدينية‏ ‏للشباب بحيث يتلقى عند الناس هذا الفكر ان المراجع و العلماء لاسمح الله‏ ‏يويدون الاعمال المنافية التى ذكرت بعضها؟
‏ ‏و فى الختام اذكر: اننى لست يائسا بعد من اصلاح الامور، و يبدو ان المراجع‏ ‏العظام يستطيعون من خلال ابداء النصيحة و الارشاد، و كذلك بالتعاون‏ ‏الفكرى مع المرشحين المحترمين لرئاسة الجمهورية ، و الممثلين من ذوى ‏ ‏العقل و الاعتدال و الخبراء المتدينين و الامناء من قبل النظام ، ان يدروسوا‏ ‏سبل انهاء هذه الازمة الكبيرة التى حلت بالجمهورية الاسلامية و شرعيتها، و‏ ‏بعد ذلك ينفذ بصدق ما راوا من صلاح و باشراف من قبل حضرات المراجع .‏ ‏و بالتالى فان الحاكمين عليهم ان يتركوا دائما و ليس موقتا السياسة المزدوجة‏ ‏التى تطرد الاخرين ، و ان يبدوا بتقديرهم للشعب باعتباره الصاحب الاصلى ‏ ‏للحكومة ، و ذلك بصدق و بعيدا عن الشعارات ، و ان يلتفتوا الى آرائهم و‏ ‏يجعلوها محل التنفيذ و العمل ، و ان ينفذوا الاسلامية و الجمهورية بمعنيهما‏ ‏الحقيقى و العادل . و لا عار على الانسان ان يقر بخطاه ، و انما العار هو فى ‏ ‏عدم قبول الحق .
‏ ‏اسال الله تعالى العظمة للاسلام و المسلمين و العزة و الكرامة للشعب‏ ‏الايرانى ، و المزيد من التوفيق و الصحة لكم .
‏23 رمضان المبارك 1430 - ‏1388/6/22‏‏
‏قم المقدسة - حسين على المنتظرى ‏
 

‏‏